هذا المقال مقتطف من كتاب ( الهجرة والوصية) لامام من ائمة الاشراف هو محمد بن القاسم بن إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب ، وهي رسالة طويلة ووصية لأولاده ، تثبت ان قبائل الاشراف وقريش كانوا ومايزالون على حياتهم البدوية المعروفة ، والتي جعلت اسمهم واسم قبيلة قريش على رأس القبائل العربية شهرة ومجداً وتاريخاً غطى الأفق، حتى لو استثنينا من امجادهم كون رسول الله صلى الله عليه وسلم من قبيلة قريش ، وبغض النظر عن الاختلاف المذهبي فان الاشراف هم الاسم الجديد لقبيلة قريش المعروفة التي لم تغب عن أذهان الناس .
واهم مافي نتائج هذه الرسالة هو رد الدعاوي التي تزعم ان قريش (اهل قرى) او ما أصبح يسمى اليوم ( حاضرة) ، وهذا الاسم ( الحاضرة ) ان كان معناه الملك والسؤدد فينطبق ، اما كان القصد منه ان قبائل قريش هي من جملة القرويين ( المنتسبون لعائلة صغيرة وقرية) فهو ما ينفيه بل ويذمه احد اعلام هذه القبيلة العظيمة .
الحث على هجر المدن والقرى
فليس النجاة لكم ولمن معكم إلاَّ الهرب في البوادي والأودية والجبال منهم، والتحبب إلى خالقكم بهجرتهم والبعد عنهم، فإن في مساكنتهم والاختلاط بهم، فساد القلوب والخبال الأكبر، لما هم عليه وفيه من فعل كل فجور وفسق وشر، إلاَّ أقل القليل منهم.
فالهرب الهرب والبعد البعد عنهم، فإن المدن والقرى موضع اللؤم والشر والبلايا، بما تجمع وتضم من شرار الناس والأوغاد، وما ينضم فيها ويأوي إليها من أخلاط الأجناس، وسقاط شرارهم من كل بلاد فيها، وفيها سقاط الأمم، ورذلات العرب والعجم، من حمران الأجناس وسودانهم المغتربين عن بلدانهم وأوطانهم، والمختلفين في عقولهم وهمهم، وألوانهم ومذاهبهم، وأخلاقهم ودياناتهم، فالحياء والإحتشام عندهم وبينهم مرفوض ومطروح، وكلهم فغريب عن بلده وموضعه، لا يستحي من خنا ولا خزي أتاه وركبه ولا فضوح، ولكل جنس منهم ضمته هذه القرى والمدن في بلده وأصله طباع وخلق، وهو عندهم كيس محمود، وعند من يعقل همج قبيح، فلسودانهم في الطرب والزفن واللعب والمنازعة إلى ما يغلب على طباعهم في بلادهم من الشرور وقبائح الأمور ما لا يبلغه في الطرب والزفن واللعب نواهق الحمير، والحمران أجناسهم مذاهب أخرى كثيرة لا تحصى من كل شر وبلاء، وفسق ومجون وخنا، من إتيان كثير منهم للذكور وشهوة من لا تشتهيه الحمير، ولا البهائم الخنازير منها ولا غير الخنازير، من إتيان الذكران، وهذا البلاء وهذه الفاحشة العظمى فيما بلغني فأصلها وبدؤها ومخرجها من أرض العراق وفارس وخراسان، إلاَّ من عصم الله من الأمم، أو من كفه وردعه عن ذلك دين وورع وطباع كرم، مع ما تضم المدن والقرى من عساكر المتغلبة والسلاطين، وما ينظم إلى العساكر ويأوي إليها من سقاط الناس والأجناس والشياطين، وما في المدن والقرى من منكرات الفواحش والبلاء، واستجازتهم كبارهم وصغارهم اللفظ بالفحش والخنا، فهو بين كبارهم وصغارهم عادة قد أجروا أنفسهم عليها لا يستوحشون منها، ولا يعظمونها ولا يتناهون عنها.
فالمنكرات بينهم لإكثارهم منها ولحاجتهم فيها معروفة، والقبائح لظهورها بينهم لا يستوحشون منها بل هي مألوفة، والغالب على كل مكان عند القرى والمدن السفساف والسفل الذين لا يستحيون من غيّ ولا ردى ولا من فضائح العمى، يبولون ويتغوطون على أبوابهم وفي أفنيتهم ولا يطهرون ما يسكنون من بيوتهم، ويكشفون في أفنيتهم وأزقتهم البول والخلاء ما أمروا به من ستر عوراتهم، فهم كالبهائم التي لا تنطق ولا تعقل، وكل من لم يتنح عنهم ويبعد منهم فهو مشارك لهم في سوء فعلهم، وآثم ظالم لنفسه في مجاورتهم والاختلاط بهم، لأن أقل ما لله عليه إذا لم يمكنه الإنكار على من يسخطه سبحانه ويعصيه فلم يستطع منهم من مساخط الله تبارك وتعالى أن يهاجر عنهم ويبعد عنهم في أوسع أرض الله تبارك وتعالى، قال في تنزيله ووحيه، وما عهد فيه إلى عباده محذراً في تركهم أمره ونهيه وهو يذكر من توفاه الملائكة ممن رضي من المستضعفين وغيرهم بمجاورة أهل الظلم والمعصية: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ} [النساء:97].
فتفهموا يابني قول ملائكة الله ربكم لمن ظلم نفسه بمساكنة من فسق وعصى ربه، فإنما عنى بقولهم {فِيمَ كُنْتُمْ}[النساء:97] أي ما فعلتم في أيام حياتكم فيما أمرتم به من الإنكار على من جاهر بالمعصية خالقكم وربكم، فقال الظلمة الخاسرون عند الندامة والحسرة وهم يعتذرون: {كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ} [النساء:97] فلم تكذبهم الملائكة فيما ذكروا من استضعافهم وضعفهم، وقالت الملائكة لهم محتجين عليهم لربهم، مبكتين لهم موقعين على ما ارتكبوا من عظيم ذنبهم في المجاورة والمساكنة، وترك الإنتقال عن أهل المعصية والمجاهرة {أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا}[النساء:97].
ثم أخبر الله سبحانه عن هذه الطائفة الذين خاطبهم عندما توفتهم رسله من الملائكة فذكر تعالى سخطه عليهم وحكمه فيهم فقال: {فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا}[النساء:97] فلو لم ينزل الله نهياً عن مساكنة أهل المعصية، لكان ينبغي لمن عقل أن يفر ويهرب بنفسه وولده وحرمه من مجامع الناس وقراهم ومدنهم لظهور فساد الناس في المدن والقرى، لا يعرفون معروفاً ولا ينكرون منكراً، وهم أظهر الناس فسقاً، وألأمهم لؤماً وأدقهم أخلاقاً.
فالكرم والكريم يابني في المدن والقرى عند أكثر أهلها غير مرضي ولا ممدوح، وذو الدناءة والبخل واللؤم عندهم مقبول مرضي غير معيب ولا مفضوح، وما بالقرى والمدن في الكبار والصغار من منكرات المجون والشرور والفحشاء أكبر وأعم وأظهر من أن يؤتى له على عدد وإحصاء، مع ما في القرى والمدن يابني من فساد اللغة والكلام واللسان، واختلاط غثاء الناس من الحمران والسودان، تبرج الحرم لفساد من بالقرى من العرب وسفساف العجم، فالغيرة من أهل المدن أو أكثرهم على الحرم متروكة مطروحة، والحرم بتبرجها في الأسواق والطرق مفضوحة.
فأفٍ يابني ثم أفٍ لمن كان ذا حرية وكرم وأنف، سكن في هذا الدهر المدن والقرى، ما دامت على مثل ما هي عليه من ذكرهم هذا من المنكرات التي ذكرنا فيها والفحشاء، وما غلب على أهلها الكبار منهم والصغار والنساء من الخنا ، والساس والفساد واللؤم والدناءة والنذلات والردى، فأين أنتم يابني عن طاعة ربكم فيما أمركم به ودلكم عليه من المهاجرة وترك المجاورة لمن يسخطه ويعصيه، والإمتثال لمسالك أهل الشرف من آبائكم وسلفكم وأولكم في ترك المدن والقرى ومجاورة أهلها، والتنحي إلى البادية والإعتزال عن سفساف القرى وغوغائها وسفلها.
ذكره والده القاسم وبداوته
فأقرب من به في ذلك تقتدون وبفعله في الهجرة عن القرى والمدن تأنسون، جدكم الأقرب أبي وأبوكم القاسم بن إبراهيم رضي الله عنه ورحمه، وقبل عزلته وهجرته منه، وقد كان رحمه الله زماناً طويلاً من عمره بالمدن مدن الحجاز ومدينة مصر ساكناً داعياً إلى طاعة الله، فلما لم ير في أهل القرى والمدن إلى طاعة الله ربه وحقه ومرضاته مستجيباً، ولم ير فيها إلاَّ غرقا في الجهل والمعاصي لا تائباً إلى ربه ولا منيباً، ورأى القرى والمدن أصل كل منكر وضلال، وتجمع الفجار والفساق والأرذال الدناة والأفسال، تبرأ إلى الله منهم، وهاجر إلى البادية والجبال عنهم، فوفقه الله للصواب في ذلك وأرشده، وأراه له الخيرة في دنياه وأسعده، فخلا بنفسه وأهله وولده، وجرى حكمه عليهم وعلى من تحت يده، فصار ـ نظراً واختياراً، بعد أن أحاط بالمدن والقرى وأهلها اختباراً ـ إلى بادية المدينة وجبالها، وتنحى عن المدينة وأهلها وحل في جبل من باديتها يسمى قُدْساً، فكان به حيناً وكنا به معه أطفالاً صغاراً، لا يعاين فسقاً ولا فجوراً ولا منكراً، ثم انتقل إلى (وادي الرس) وجباله، فكان خالياً فيه بولده وعياله، ما أمرنا فيه من أمر أطعناه، وما عرفنا في الدين من حق أو قول في الهدى والصواب قبلناه.
ثم انتقل إلى فرع آخر من جبل يسمى (الأشعر) من جبال جهينة، بعد أن أقام عمراً طويلاً وسنين كثيرة في (وادي مزينة) فكان منه بجبل وفرع يدعى فرع السور حتى توفي فيه رحمة الله عليه وقبض، وكان قد عاهد الله وأعطاه من نفسه أن لا يسكن هو ولا أحد يطيعه من ولده ما بقي حياً مجامع الناس بين المدن والقرى، لما ذكرت لكم يابني قبل هذا من قولي وفسرت، مما تجمع القرى والمدن من أهل الفسق والفواحش والمنكر والردى، وما في أهل المدن والقرى والمدائن من أهل الفسق والفواحش، من الجهل والمعاندة في الدين، وما بها وفي أهلها من الفساد والمفسدين، وأهل المجاهرة بكبائر المعاصي والظلم المعتدين.
ذكر صفات البادية وأهلها
فجعل الله الروح والراحة في بدنه، وأعقبه سكنى البادية واعتزال الناس العفاف والصلاح في أهله وولده، فأقام في البادية والجبال قبل وفاته نحواً من أربعين سنة لم يخل فيها قط من لطائف الله وصنع الله، وسعة رزقه مع البعد والتطهر عن شرار خلقه، في أطيب مساكن في تلك الأودية الطاهرة، والجبال والبوادي الصحيحة البريئة من الوخامة التي تكون في المدن من الأرياح المنتة، والسكك القذرة والأزقة والطرق التي فيها غير طاهرة، وأبخرة الكرابيس،والنجاسات المفسدة للجو والهوى المؤرثة للأمراض والوباء، بل كنا معه رحمه الله في أطيب الغذاء مما يكون في البادية في أطيب المساكن والمحال من أودية البوادي والفروع التي فيها من الجبال نتنسم صافي الهوى، ونشرب أكثر مدة دهرنا ماء الغمام والسماء، وننال فيها بلطف الله طيب الغذاء، مما يكون في البادية من سمين لحوم الماشية، وما جعل الله في المواشي من أشربة اللبن الخالصة السائغة في أطيب الساحات طيباً، وأطهرها طهارةً، وأفسحها منظرةً، وأصفاها هواءً، وأقلها كدراً، لا يسمع خنا ولا يرى فسقاً ولا منكراً، ولا صوتاً ملعوناً، كبَراً ، ولا وتراً، مع قوم نختلط بهم أحسن قوم جواراً، وحرمهم فأشد حرم الناس استتاراً، من خير أبناء من العرب وأهل البادية، أشكر قوم للمعروف شكراً، وآلفهم إلفاً، وأحسنهم جواراً، ومن جاورهم فاعتزلهم، وكف الأذى والمكروه عنهم، كثر ثناؤهم عليه، وشكرهم له، وسلم منهم، وكانوا له إذا أحسن قليلاً إليهم، وبث أقل المعروف فيهم كالخول والأعوان، إذا استكفاهم بعض الأمور كفوه، وإن استعانهم على نائبة تنوبه أعانوه.
ذكر صفات أهل المدن والقرى
وأهل القرى يابني وسفساف من في المدن من سكانها كلهم تجارهم وصناعهم وغيرهم، وكذلك من اختلط بالأسواق والقرى من العرب وجاورهم، فهؤلاء كلهم ليسوا بذوي حرية ولا ذمام، ولا يتخلقون بخلق من أخلاق الكرام، ولا يوفون بموعد وعدوه، ولا يوجدون حق الجوار لمن جاوره، وإن استعانهم جارهم على نائبة لم يعينوه، وإن وعدوه وعداً أخلفوه، وإن قالوا له قولاً لم يصدقوه، وكلما كان عليهم فيه أدنى كلفة وأقلها لم يكتلفوه، وليس للجار عندهم غير الخداع له والمنافقة، فإنهم إذا لقوه تملقوا وإن استرفقهم بسلف أو رفق لم يرفقوه، وكذلك كل من اختلط بالقرى من العرب فهو في اللؤم ودقة النظر وسوء الأدب كأهل القرى والأسواق يتخلقون بأخلاقهم، ويفسدون بفسادهم.
فالبعد يابني عن أهل القرى والمدن لكم ولمن معكم خير من قربهم وأسلم لكم في دينكم وفيما بين ربكم وبينكم، وليست العزلة عن المواضع التي تجمع أخلاط الناس ويحيط بكم ما فيها من شرور الأشرار وما فيهم من الدنس والأنجاس كالبوادي التي تتسع بأهلها وتضم من فيها من سكانها، كما تجمع القرى وتضم وتخلط بين من فيها من رذالة أشرارها وسفلها، لأن كل ساكن في البادية فهو وحده يمكنه أن يكون في عزلة وناحية.
وسكان القرى متضامون في السكك والدور، مجتمعون يرى بعضهم ما في بعض من الفساد والمنكر والشرور، يأنس بعضهم ببعض فيما يفعلون من منكرات الفجور، ثم لا يجد من يسكن بينهم بداً من مضامتهم ورؤيتهم، ومعاينة فواحشهم وفسقهم، وما يبتلى به من سوء جوارهم، ونذالة أخلاقهم، ولؤم كبارهم وصغارهم، واستحسانهم بينهم لِلؤم الأخلاق، وقلة إنكارهم للدناءة والخنا، وما فيهم من فواحش الريب والبلاء، أعظم وأكبر من أن يؤتى له على صفة أو يحصى، يتكلم سفاسفهم وأهل أسواقهم، وأكبر كبارهم وصغارهم، بأفحش الفحش وأعور الكلام علانية جهاراً، فلا ترى أحداً منهم أنه يجب عليه أن يكون منه لما سمع من ذلك إنكاراً، فنساؤهم وأكثرهم في الأسواق متبرجات، وأكثر اللواتي لا يخرجن متطلعات من الكوى والأجنحة غير مستحيات.
فَلِمَ تروا يابني هذا ومثله ظهر في القرى وعم حتى لا ينكره منكر من أهل القرى، ولا يحتشم منهم محتشم، فأنا أخبركم يابني لِمَ كان هذا في القرى والمدن بلا غلط ولا توهِم، وذلك إنما هو لأن القرى والمدن تجمع وتضم من رذالات الأجناس، وحشو سفساف الناس، وسقاط العجم وشرارهم، فيجتمعون ويختلطون غرباء عن أوطانهم وبلدانهم، فمنهم من هو مملوك مرقوق، ومنهم من هو غير مملوك وهو لئيم الأصل، قليل الحياء للمجون والدناءة والجفاء والمروق والعتاوة والفسوق، فقد اختلطوا وماج بعضهم في بعض، حلوا بالشرور لقلة الحياء، ولؤم الأمهات والآباء، ولأن بعضهم لا يعرف بعضاً، جميع القرى في الأرض ومن اختلط بهم، فمن كان له أصل أو نسب من قريش والعرب، أو من له حرية نفس من العجم، أو من كرام أجناس الأمم، فلغلبة من ذكرنا من القرى من سقاط الناس ورذالة الأمم والأجناس قد غمر هؤلاء في كثرتهم، وقلوا وصار العدد والمال واليسر في الرذالة والسفل، وافتقد كل من له حرية، وقل عددهم، وصار من له أصل ودين بين هؤلاء الذين ذكرنا قد خمل وذل، لأن الغلبة في الدنيا الدنية وهذه الدار الأولى من الدنيا الدنية إنما هي للحشو الأكثر في العدد، ولا سيما إذا لم يكن لسلاطين الحق والعدل على السفساف والرعاع بحكم الله يد.
فالناس اليوم يابني في مدن القرى مختلطون، يموجون ويختلط بعضهم في بعض كما تموج أمواج البحر بالماء، ليس فيهم ولا منهم محق يقوى عليهم، وأحكام الله وآدابه في كتابه لا تنفذ فيهم، فقد اخلتط علية ، من في المدن والقرى بسفلهم، وطال اختلاطهم وثواهم بينهم حتى جروا على سيرتهم، وصاروا لا يستقبحون قبيحاً، ولا يرون دناءة ولا فاضحاً فضوحاً، والإلف للغلبة السفلة، وصارت السفل لكثرتهم وغلبتهم قد رهقتهم الذلة، واحتاج هؤلاء الذين لهم أصول وحرية إلى أولئك فكلهم في مذهبه وخلقه هالك.
قد استحسن من في القرى والمدن من بقايا كرام الناس ما يستحسن من غلب على القرى والمدن من سفل الأجناس لغلبة الغوغاء والرذالة وسقاط الأمم والسفلة على القرى وكثرة عددهم فيها، فقد غرق بينهم وخزي وذل وقل كل من آوى إليها من أهل الدين والحسب، وكاد أن يبطل بل قد بطل كل ذي دين ونسب.
فالمهرب المهرب يابني من القرى والمدن، الهرب الهرب فلو لم تهربوا منها وتباعدوا إلا لذل الأحرار وفقرهم بها، وأن السفساف من لا خطر له ولا دين قد غلبوا وكثروا وحازوا جميع معايشها، فذكرهم بالقرى والمدن الذكر الرفيع العالي، وفيهم اليسر والثروة والعدد والأموال، وتوارثوا مع ذلك الحيرة في الدين والضلال، ممن كان قبلهم في القرون الخوال، من أهل الشرف في أخلاقهم، والعلو في ولادتهم وأنسابهم، لأمور عرضت من حسد وضغائن حالت بينهم وبين طاعة ربهم لا يمكننا شرحها كلها، ومن فَهِمَ فروعها فتدبَّرها فهم أصولها، فقد اشتبه أهل الأرض في معصية الله ورسوله، ومخالفتهم لأنبيائه صلوات الله عليهم وتنزيله، فكلهم أو أكثرهم ضال عن أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وآله وسلم في مذهبه واعتقاده وقوله وفعله.
بداوة بني اسماعيل
فلبث ولد إسماعيل بمكة وحواليها وفي بواديها حتى ضاقت بهم لكثرتهم بوادي الحجاز، وزحم بعضهم بعضاً وكلما غزت قبيلة، زحمت ودفعت عنها الأخرى، وانتشروا في البوادي والبراري حتى بلغوا في البوادي ما شرف على العجم، العراق، وبلغوا من ناحية الشام ومصر واليمن، وأقصى ما يتصل بهذه البلدان من البوادي والبراري، وصلحت مكة لِخيارهم وأشرافهم، ولآبائهم وأبنائهم من قريش وبني كنانة.
فلم يزالوا كذلك حتى أخرج الله النبي محمداً صلى الله عليه وآله وسلم وجاء على يده بما جاء من النبوة والدين والخير والهدى.
ونشر الله ولد إسحاق عليه السلام بالشام، فكانوا بالبوادي بالشام لا في القرى أصحاب ماشية وسير وسياحة في طلب ما يصلح مواشيهم من المرعى، فأخرج الله منهم من أخرج وذكر في بني إسحاق من الأنبياء، فلم تزل البوادي وما بعد من القرى في أول الزمان وآخره مساكن للرسل والأنبياء والصالحين والأتقياء.
ذكر ما جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في السكن في البادية
وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بعد مهاجرته إلى المدينة من ترغيبه عليه السلام في سكنى البادية والشعاب والأودية ما لا اختلاف على رواية الناس فيه.
فذكر عن عائشة وغيرها أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((
كان يَتَبَدّى إلى أطراف المدينة وبواديها وتلاعها)).
وكذلك روت العامة أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: ((
كان إذا كان في أيام الشتاء والمطر تبدى))، ثم قالت عائشة وغيرها إلى هذه التلاع والشعاب إلى حول المدينة.
وقالوا: إنه كان صلى الله عليه وآله وسلم يتبدأ إلى أطراف تراعها، ونواحي البادية حولها.
وذكروا في الخبر عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقول ـ بعد مهاجرته، وبعد إعزاز الله له وظهور حكمه وأمره، وهو يرغب من معه وحوله في التخلي والتفرد، والاعتزال في الشعاب والبادية والتنحي ـ: ((
إن أغبط الناس عندي لمؤمن في بطن وادٍ من هذه الأودية، أو شعب من هذه الشعاب، يقيم الصلاة ويؤتي الزكاة، حتى تأتيه الوفاة)).
هذا يابني قوله وترغيبه في اعتزال الناس في أيامه ومع ظهور حكمه، والناس يومئذ هم الناس ليس فيهم الآفات والعاهات التي في البشر اليوم ولا الأدناس.
وذكر عنه صلى الله عليه وآله وسلم ما لا اختلاف بين العلماء الأخيار فيه أنه قال عليه السلام: ((
إذا كان المطر قيظاً، والولد غيظاً ، وفاض اللئام ، فيضاً، وغيظ الكرام غيظاً، فأعنز عفر ، في جبل وعر، خير من ملك بني النضر))، وهذا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صفة أزمنة تكون بعده، ومنها الزمان الذي نحن وأنتم يابني فيه.
فقد لعمري فاض في زماننا وقبله بحين طويلٍ اللئام فيضاً، وغيظ الكرام غيظاً فأعنز عفر يابني كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في جبل وعر خير من ملك بني النضر، وبنو النضر يابني هم قريش، فأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن الأعنز العفر، والسكنى بها في الجبل الوعر، خير لأهل التقوى والبر من الاختلاط في مثل هذا الزمان وما أشبهه بأهل المنكر والشر.
ولم يزل عقاب الله يابني فيما مضى إنما يقع بالأمم في المدن والقرى، وكذلك وعيد الله فإنما هو لهم، قال الله لا شريك له: {أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ(97)أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ(98)أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ(99)} [الأعراف: 98].
وقال تبارك وتعالى: {وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا} [الكهف: 59]، وقال تبارك وتعالى في موضع آخر وهو يذكر عذابه لأهل القرى: {وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ} [الأعراف: 4]، وقال عز وجل في موضع رابع من كتابه: {وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا ءَاخَرِينَ} [الأنبياء: 11].
وذكر تعذيب الله لأهل القرى في مواضع كثيرة من القرآن لما لم يزل عليه أهل القرى من كثرة الفساد فيهم والمنكر والعصيان.
ولم يكن أهل القرى يابني أكثر شراً ولا فساداً، ولا أشد الخلق مخالفة عن الهدى ولا عناداً، منهم في زماننا ودهرنا هذا، مع ما في القرى يابني من فساد اللسان وظهور العجمة واللكنة عن البيان.
ما في أهل البادية من الصفات الحميدة
وأهل البادية فلو لم يكن فيهم مع ما يرغب به عاقل لبيب في أن يأوي إليهم إلاَّ لثباتهم في الكلام، وفصاحة ألسنتهم، وما هم عليه أكثر أهل البادية من الإقتصار على أقل الكفاف في معيشتهم، والزهد في الدنيا الظاهر في لباسهم وآنيتهم، والجود والسخاء بقليل ذات أيديهم، وبذلهم وكرمهم إذا نزل بهم حق ينوبهم، أو آوى إليهم ضيف يأويهم، فالمقل منهم حينئذ في الجود بما في يده كالمكثر، والفقير في الإجتهاد بما يمكن في أداء الحق الذي نزل به وإكرام الضيف الذي حل بفنائه كالمؤسر، يؤثره عند ذلك على نفسه وعياله، ويبذل ويجود بما لا يجود به القروي من ماله، هذا مع إقبال أهل البادية على شغلهم، ومعائش أنفسهم وعيالهم، وافتراقهم في منازلهم ومحالهم.
فكل إنسان منهم يمكنه ، أن يكون وحده، وأن يحجز حرمته عن الفساد وولده.
وهذا ما لا يمكن يابني في أهل القرى لأن أهل القرى لا يقدر بعضهم عن الإعتزال عن بعض، لأنهم في سكك ودور وبناء، مع طيب البادية يابني وصحة الأبدان فيها وغذائها، وطيب نسيم رياحها وصفاء هوائها ومائها، وما فرش الله فيها فيما لا تبلغه فرش الملوك من رمالها وبطحائها التي ليست فيها ولا قربها أنتان ولا أنجاس، ولا يغشاها ولا يقاربها من لا حياء له ممن في القرى من غوغاء الناس.
ومع ما في البادية يابني من المناظر الحسنة من الشجر المختلف والنبات، والدواب من الوحوش الهاملات، وخلوة القلب بالفكر فيما وضع الله لخلقه من العبر والآيات، وما يرون فيها ويعاينون من الجبال التي نصبها الله الشوامخ الراسيات، وما في أهلها وسكانها من فصيح الكلام واللغات، ومعرفة من جاورهم بغريب العربية والبلاغات.
مع ما في البادية يابني من إمكان اتخاذ المواشي ذوات الأرحام، من الإبل والبقر والحمير والأغنام، التي لا يتكلف لشيء منها كلفة، ولا يؤتى لما جعل الله فيها من المعايش والغناء عن الناس على صفة، تكون للرجل بالبادية الناقة الواحدة فتصير نوقاً كثيرة بالتناسل وإبلاً، وتكون للرجل الشاة الواحدة والشاتان والخمس شياه، فتعود بالتناسل في غير طويل من الزمان مالاً وأغناماً كثيرة، لا يتكلف صاحبها لها علفاً ولا مؤنة، وقد تكون له البقرة أو الأتان من الحمير فيرزقه الله تناسلها ونتاجها حتى تصير مالاً ذا عدد كثير، والشاة الواحدة والناقة المفردة لا يقوى عليها ولا على علفها ومؤنتها في مدينة ولا قرية، لما يلزم لها وفيها من الغرامة والنفقة الثقيلة، فليس لشيء مما ذكرنا مما رفق الله ومنَّ به على الإنسان من الإناث ذوات الأرحام ومتناسل الحيوان، تناسل بالقرى والمدن ولا رعي ولا مكان.
والماشية يابني فيها وفي تناسلها ودرها وألبانها، وما يرفق الله عليكم من أثمان جلوبتها وأسمانها معائش رائقة، وبلغ ومعونة من الله مباركة نافعة، يكف الله بها وجوهكم عن بخلاء الناس ولئامهم، وأهل الدناءات والشح من عوامهم، فإن لم يكن لكم مع الماشية في البادية شيء من البيار والمزارع استغنى كل واحد إن شاء الله منكم وارتفق وانتفع.
بداوة الأشراف وسائر قريش
ولم يزل من مضى يابني من الأسلاف من قومكم في قديم الزمان، تكون لهم البوادي ويتخذونها ويسكنونها في كل بلدة وبكل مكان، ولم يزل الأشراف قط يتبوؤن البادية ويعتزلون عن القرى والمدن في الصحاري والبرية في كل ناحية.
فاعتزل في أول الدهر والناس حينئذ ناس في أكبر الشأن والأمر، بنو حسن فَتَبَدَّوْا، أولهم زيد بن الحسن بن علي عليهم السلام في بادية من المدينة تسمى البطحاء على أربعة أميال، فاحتفر بها بياراً، وبنى بها مساكن متباعدة بعضها من بعض ودوراً، فلم يزل بها بنو حسن بن زيد حتى فرقتهم منها هذه الفتن التي وقعت بالحجاز فكانوا أصح قوم أبداناً، وأجلدهم جلداً وأظهرهم وأنظرهم ألواناً.
واتخذ يابني عمكم عبدالله بن الحسن فيما مضى من الدهر والزمن بادية لنفسه وولده من سويقة ، وأكنافها وأوديتها وشعابها، فاحتفر بياراً وعيناً بالحَزْرَة ، في قربها، فيها بنو عبدالله بن الحسن بن الحسن إلى اليوم، وبعضهم قد اتسعوا وحلوا في بوادي ينبع والغور.
فبنو عمكم بنو عبدالله بن الحسن يابني منذ نزلوا البادية، أكثر قومكم عدداً، وأجلدهم جلداً، وأوسعهم منازل وبلداً، وأكثرهم في معائشهم ارتفاقاً بالمواشي من الإبل والغنم، فأقربهم لمجاورتهم العرب إلى أخلاق الحرية والكرم، قد دربتهم وخرجتهم البادية وأهلها، فجلدوا واشتدت أبدانهم في منازلهم إن حضروا، وقووا على السفر إذا احتاجوا إلى أن يسافروا فهان وخف عليهم في السفر سرى الليل، وكبارهم وصغارهم يركبون صعاب الرواحل وصعاب الخيل، رجال ذووا رجلة، مخشوشنون بأدنى اللباس والغذاء مكتفون، قد زال عنهم بسكنى البادية الإسترخاء، والتفكك والوهن والكسل، والكسح والتركك، لا يشبهون من في المدينة وقربها من قومهم في لباس أولئك برقيق الثياب، وقلة صبرهم عن لين الطعام وبارد الشراب، قد زال عنهم في البادية ما لزم أكثر الطالبيين بالبادية ، من قبيح الألقاب، ولا يعرفون ما يعرف أولئك بالمدينة من اللعب بالحمام، لأن هؤلاء الذين بالبادية ، جيرانهم وأخدامهم العرب الأحرار الكرام، ومن بالمدينة من آل أبي طالب فأخدانهم ، وجيرانهم المولّدون ، من السودان والسفل اللئام، فكل من هؤلاء وهؤلائك بمن نشأ معه وجاوره مقتد متأس، فقد ترك من بالمدينة من العبيد والسفل، من جاورهم وخادنهم من آل أبي طالب بهم في الدناءة والسقوط ـ متشبهاً متمثلاً بمذاهبهم محتذياً.
ولآل الحسين بوادي العقيق والعريض في البوادي والخلوات.
ولآل جعفر بوادي الفرش ، وبوادي الغور فلكل بطن منهم بوادي ومعتزلات، ولهم منازل في البوادي والخلوات.
ولآل عثمان باديتان، وادي بدر وبلد يسمى دعان.
ولآل عمر بادية الخلائق والحمراء.
ولآل أبي بكر بوادي ثمر والأجار.
ولآل طلحة بواد.
ولبني مخزوم وتيم بوادي حول مكة.
ولبني عامر من قريش وفهر بواد كثيرة.
وكان يقال لا يتم شرف قوم من الأشراف حتى تكون لهم بادية.
ولم يزل يابني كل من يتمعض ويأنف ويتمرأ ، وإن لم يكن ذا دين من بطون أشراف قريش إلاَّ ولهم بادية، بل لكل بطن منهم بواد ومعتزلات، ومنازل في البوادي وخلوات.
.
وإنما دعاني هاهنا إلى ذكر البادية ما عرض في وصيتي لكم من ذكر الهجرة عن جماعات المدن والقرى والفجرة الغاوية، فلما أعلمتكم أنه لا مهرب منهم ولا هجرة إلى الله عنهم إلاَّ إلى البادية تعزلكم عند كل فتنة، وما هو أسلم عند الفتن من القرى والمدن، لأن أهل الفتنه إنما يطلبون الغنائم والنهوب في أماكن القرى وطرقها، والناس فلا يطلبون من اعتزل في أودية البوادي وجبالها الصعبة الرواسي، ولذلك وضعت لكم ووصفت لكم تفضيل البوادي وما فيها من المرفق والعزلة عن أهل العداوة لربكم ولكم.