نايف الفقير:تعتبر اللهجة أحد المكونات الثقافية والتي تعطي مجتمعاً ما جزاً من هويته الثقافية ضمن القومية الواحدة ، وقبائل الجزيرة العربية تتميز يضآلة عامل التأثير الجغرافي بمعنى ان صعوبة تصنيف اللهجات لمجتمعات الجزيرة العربية على أساس الاقليم بسبب طبيعة القبائل العربية الخاصة التي لاتختلط بغيرها بعوامل الاختلاط المعروفة ( زواجات - تجاور ) ، لذلك درس علماء ( فقه اللغة ) اللهجات العربية على اساس أنها لهجات قبائل وليس لهجات سكان اقليم معين ، فتجدهم في الموسوعات يرددون مصطلحات مثل ( لغة مضر ... لغة قضاعة... الخ ) ولاينبغي تجاهل العومل الجغرافية مع الايمان بضآلة تأثيرها ولكنه موجود على كل حال ، ولهجة قبائل ربيعة القديمة هي لهجة قبائل عنزة الحالية مع مراعاة عوامل الزمن وماأحدثته من تغييرات على صعيد اللغة العربية ككل ، ويجب أن نعرف اولاً محاور اختلاف اللهجات بين القبائل العربية والتي يمكن تلخيصها فيما يلي :
1- الاختلاف في تسمية مصطلح معين أو الاشارة لمعنى ، مثل النار يسميها البعض ناراً ويسميها غيرهم ( ضو) .
2-الاختلاف في نطق حروف معينة وبالذات الحروف الحلقية مثل ( الكاف - القاف - العين وغيرها )
3-الاختلاف في طريقة نطق كلمة مع توحد الكلمة والدلالة مثل كلمة ( ميت ) بتشديد اليا وسكون التاء ، أو ينطقها البعض بتحريك الياء .
وهذه المحاور لاتنطبق على الانتاج الادبي للعرب ، فقديماً كان الادب عند العرب يتوحد تقريباً عند لهجات قبائل مضر وهي اقوى قبائل العرب في وقتها، وفي الوقت المعاصر يتوحد العرب ادبياً عند قبائل وسط الجزيرة العربية ، ومن النادر ان تظهر الخصوصيات اللغوية في القصائد النبطية المعاصرة لان الشاعر حريص على تجنب شذوذات لهجته في انتاج ادبي يراد له ان يتجاوز الخصوصية .
وتواجه اللهجة المنتشرة حملة شرسة من قبل بعض الجاهلين للأسف بالتراث العربي وطبيعته ، معتقدين أن اللغة الفصحى وهي لغة قريش هي الفصحى دون غيرها وامتد هذا الهجوم حتى شمل محاربة الشعر النبطي والمطالبة بعدم الاعتراف به بل وتعدى الى قولهم بعدم عروبته!
فاللهجة ألتي ينعتونها بالشعبية هي ذاتها اللهجة العربية القديمة ، وكانت تستخدم من قبل القبائل في الوقت الذي استخدمت في اللهجة المضرية والتي تعتبر وحدها هي الفصحى حيث نزل القرآن بها ، وفي نظري أن هذا تشريف للغة أهل النبي صلى الله عليه وسلم لاأكثر ، أما ان تعتبر غيرها من اللهجات باطل فهذا لم ينزل الله به سلطان ، يدلك على ذلك شيوع تلك اللهجات زمن الرسول دون ان يدعوا ان الناس لتركه أو يحملهم على غير ماجرت العادة به في السنتهم .
ملامح لهجة قبيلةعنزة المعاصرة
شهد القرن الثامن والتاسع الهجري تطور قبيلة عنزة في منطقة نجد وتحول مجرى التاريخ الى صالح قبائل ربيعة التي ورثت قبائل مضر في الشهرة والقوة ، فبعد ان انجب المضريون العديد من البيوت الحاكمة من اموية وعباسية وغيرهم اصبحت ربيعة هي الوارث لكل ذلك واصبح الحكام والادباء جلهم من ربيعة متمثلة بقبيلة عنزة في العصر الحالي ،وانتقل مركز التأثيرالثقافي والسياسي بل وحتى الديني في الجزيرة العربية من الحجاز الى نجد ، وتبعاً لذلك أصبحت لهجة ربيعة هي اللهجة العربية التي يكتب بها الادب العربي حالياً بل اصبحت القبائل العربية الاخرى تتحدث بها مع الاعتراف بحيوية لهجة مضر والتي يعود الفضل في بقاءها الى أنها لغة القرآن الكريم ولها التقدير والأولية تبعاً لذلك .
ويمكن بحسب المتوفر من المصادر أن نستنتج أن ملامح لهجة عنزة تتميز بما يلي :
1- (الكسكسة) ، قال عنها ابن فارس في كتابه (الصاحبي في فقه اللغة):
" الكسكَسة الَّتِي فِي رَبيعة - إنما هي أن يَصِلوا بالكاف سيناً، فيقولون: "عَلَيْكِسْ".
وقديماً كانت الكسكسة هي لغة بكر وبني تميم ، وقبيلة عنزة دخلت في بكر بن وائل منذ حرب البسوس وورثت هذه اللغة التي لاتزال حية الى يومنا هذا ، وانتقلت الكسكسة الى بقية القبائل في شبه الجزيرة العربية بسبب قوة قبيلة عنزة فالمغلوب مولع بتقليد الغالب كما قال العلامة ابن خلدون ، وتعتبر الكسكسة في الوقت المعاصر سمة أساسية للهجة النجدية وهي أصيلة لدى قبيلة عنزة ، طارئة عند غيرها ، كدليل على تاثرهم بقبيلة عنزة على قاعدة ابن خلدون .
2- التفخيم ، وهو خاص ببعض الحروف مثل اللام والراء وقد انتشر عند أكثر القبائل العدنانية .
3- تسكين الحرف اذا كان ماقبله متحركاً مثل كلمة (معْ ) بسكون العين يتم تحريكها في لغة عنزة ، قال ابن أُمّ قَاسِم المرادي في كتابه (الجنى الداني في حروف المعاني)عن التسكين:
"لها حالان: الأول: أن تكون ساكنة العين وهي لغة ربيعة وغنم. يبنونها على السكون قبل متحرك، ويكسرون قبل ساكن. ولم يحفظ سيبويه أن السكون فيها لغة، فجعله من ضرورات الشعر. قال: وقد جعلها الشاعر ك هل، حين اضطر، فقال:
وريشي منكم، وهواي معكم=وإن كانت زيارتكم لماما
وأذكر ان والدي حفظه الله لامني بشدة عندما قلت " سأذهب معاك" وقال لي يجب ان تقول "أذهب معك " فهي لهجتنا ، وقد دهشت من توارث هذه اللهجة على عند كبار السن رغم اميتهم .
وقد تميز العنزي بحفاظه على لهجته رغم تغير المكان والزمان ، فمتى انتهى المطاف بالعنزي في ارض حتى تستطيع تمييزه من خلال اللهجة ، وهو عامل جعل الكثير من الباحثين ياخذون قبيلة عنزة كمثال على صورة اهل الجزيرة العربية الأصليين ، قال بوركهارد في (مذكرات عن البدو الوهابيين) متحدثاً عن قبيلة عنزة :
" لازال العنزة الأحرار تحكمهم ذات القواعد التي انتشرت وعمت الصحراء بعد بدء العصر الاسلامي"
ومن هذه القواعد اللهجة التي اصبحت اليوم لهجة الأدب في الجزيرة العربية .